ابن كثير
138
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لكم بل زائل عنكم ، كما زال عمن كان قبلكم . وروى ابن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا أبي ، حدثنا الحكم بن موسى ، حدثنا الوليد ، حدثنا ابن عجلان ، حدثني عون بن عبد اللّه بن عتبة أن أبا الدرداء رضي اللّه عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر ، قام في مسجدهم فنادى : يا أهل دمشق ، فاجتمعوا إليه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : ألا تستحيون ، ألا تستحيون ، تجمعون ما لا تأكلون ، وتبنون ما لا تسكنون ، وتأملون ما لا تدركون ، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون ، ويبنون فيوثقون ، ويأملون فيطيلون ، فأصبح أملهم غرورا ، وأصبح جمعهم بورا ، وأصبحت مساكنهم قبورا ، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابا ، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين ؟ . وقوله وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ أي يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم ، ثم شرع يذكرهم نعم اللّه عليهم ، فقال وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي إن كذبتم وخالفتم ، فدعاهم إلى اللّه بالترغيب والترهيب ، فما نفع فيهم . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 136 إلى 140 ] قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ( 136 ) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( 137 ) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 ) يقول تعالى مخبرا عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم ، ورغبهم ورهبهم ، وبين لهم الحق ووضحه قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ أي لا نرجع عما نحن عليه وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [ هود : 53 ] وهكذا الأمر ، فإن اللّه تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 96 - 97 ] الآية ، وقولهم إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قرأ بعضهم إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ بفتح الخاء وتسكين اللام . قال ابن مسعود والعوفي عن عبد اللّه بن عباس وعلقمة ومجاهد : يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين ، كما قال المشركون من قريش وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفرقان : 5 ] وقال وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الفرقان : 4 ] وقال وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ النحل : 24 ] . وقرأ آخرون إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ بضم الخاء واللام ، يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد ، ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم ، نعيش كما عاشوا ، ونموت كما ماتوا ، ولا بعث ولا معاد ، ولهذا قالوا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ يقول : دين الأولين . وقاله عكرمة وعطاء